سيد قطب

1870

في ظلال القرآن

القصص في هذه السورة هو قوامها ؛ ولكنه لم يجئ فيها مستقلا ، إنما جاء مصداقا للحقائق الكبرى التي جاءت السورة لتقريرها . والتي أجملها السياق في مطلع السورة : « كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ، أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ، وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ، يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ، وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ، وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ، إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ . وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » . . وقد تضمن مطلع السورة جولات متعددة حول هذه الحقائق . جولات في ملكوت السماوات والأرض ، وفي جنبات النفس ، وفي ساحة الحشر . . ثم أخذ في هذه الجولة الجديدة في جنبات الأرض وأطواء التاريخ مع قصص الماضين . . يستعرض حركة العقيدة الإسلامية في مواجهة الجاهلية على مدار القرون . والقصص هنا مفصل بعض الشيء - وبخاصة قصة نوح والطوفان - وهو يتضمن الجدل حول حقائق العقيدة التي وردت في مطلع السورة ، والتي يجيء كل رسول لتقريرها ، وكأنما المكذبون هم المكذبون ، وكأنما طبيعتهم واحدة ، وعقليتهم واحدة على مدار التاريخ . ويتبع القصص في هذه السورة خط سير التاريخ ، فيبدأ بنوح ، ثم هود ، ثم صالح ، ويلم بإبراهيم في الطريق إلى لوط ، ثم شعيب ، ثم إشارة إلى موسى . . ويشير إلى الخط التاريخي ، لأنه يذكر التالين بمصير السالفين على التوالي بهذا الترتيب :